

هل أصبح المواطن المصري مطالبًا بأن يدفع من جيبه الخاص تكاليف الخدمات التي يفترض أن توفرها الدولة من خلال موازناتها العامة؟
سؤال يفرض نفسه بقوة أمام ما نراه في عدد من القطاعات الحكومية، وعلى رأسها قطاع التعليم، حيث تتكرر التصريحات عن مليارات الجنيهات التي تُخصص للوزارة، وعن ضخامة الموازنات والاعتمادات المالية، بينما يكشف الواقع اليومي داخل المدارس عن صورة مختلفة تمامًا.
وزارة التعليم. . مليارات على الورق واحتياجات عاجلة في المدارس
مع بداية كل عام دراسي، يخرج علينا مسؤولون بتصريحات تتحدث عن أرقام ضخمة وموازنات هائلة مخصصة لوزارة التربية والتعليم، بينما يظهر مسؤول آخر ليؤكد أن توفير الوجبات المدرسية يمثل عبئًا كبيرًا ويستنزف جانبًا من ميزانية الوزارة.
لكن السؤال البسيط الذي يطرحه المواطن: إذا كانت هذه المليارات تُرصد بالفعل، فأين نصيب المدرسة منها؟
فالمدرسة تحتاج في بداية كل عام دراسي إلى أعمال صيانة وإصلاحات ضرورية لا تحتمل التأجيل؛ مقاعد متهالكة تحتاج إلى إصلاح أو استبدال، ودورات مياه تحتاج إلى صيانة، وفصول تحتاج إلى دهانات، وشبكات كهرباء ومياه تحتاج إلى إصلاح، وأبواب ونوافذ ومرافق مدرسية تحتاج إلى متابعة مستمرة.
والأخطر من ذلك أن بعض هذه الاحتياجات، وفقًا لما ينقله العاملون بالمدارس وأولياء الأمور، ينتهي بها الأمر إلى الاعتماد على مساهمات أولياء الأمور أو جهود العاملين بالمدرسة أو أهل الخير.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا
كيف نتحدث عن مليارات مخصصة للتعليم، بينما المدرسة التي تمثل الوحدة الأساسية للعملية التعليمية قد تضطر إلى البحث عن تبرعات لإصلاح مقعد أو دورة مياه أو فصل دراسي؟
أين تذهب الأموال؟
لسنا ضد الإنفاق على التعليم، بل على العكس؛ التعليم هو الاستثمار الحقيقي في مستقبل مصر، ومن حق الوزارة أن تحصل على التمويل الكافي للقيام بدورها.
لكن المطلوب هو الشفافية.
نريد أن نعرف بوضوح
كم تبلغ الموازنة الفعلية لقطاع التعليم؟
وما حجم الأموال التي تصل بالفعل إلى المدارس؟
وما المبلغ المخصص للصيانة الدورية لكل مدرسة؟
وكيف يتم توزيع هذه الاعتمادات؟
ومن المسؤول عن متابعة إنفاقها؟
ولماذا تختلف قدرة مدرسة عن أخرى في توفير أبسط الاحتياجات؟
وهل توجد آلية رقابية تضمن وصول الاعتماد المالي إلى المكان الذي يحتاج إليه فعلًا؟
فالمشكلة ليست بالضرورة في حجم الموازنة، وإنما في كيفية توزيعها وإدارتها ووصولها إلى المستفيد النهائي.
ظاهرة تتجاوز وزارة التعليم
والأمر لا يبدو قاصرًا على التعليم وحده.
ففي قطاعات حكومية مختلفة نسمع بصورة متكررة عن نقص الإمكانات، وارتفاع تكلفة تقديم الخدمة، والحاجة إلى دعم إضافي، بينما يجد المواطن نفسه في النهاية مطالبًا بالمساهمة من ماله الخاص حتى تستمر بعض الخدمات الأساسية.
وهنا تظهر ظاهرة خطيرة يمكن وصفها مجازًا بـ «التسوّل الحكومي»؛ أي أن تتحول المؤسسات التي يفترض أن تمتلك موازنات واعتمادات رسمية إلى جهات تبحث بصورة مستمرة عن مساهمات المواطنين ورجال الأعمال وأولياء الأمور وأهل الخير لسد احتياجات يفترض أن تكون مدرجة أصلًا في خططها المالية.
ولا يعني ذلك اتهام كل مسؤول أو كل موظف بالتقصير؛ فهناك بالتأكيد موظفون شرفاء يبذلون جهودًا حقيقية في ظروف صعبة، ومديرو مدارس يحاولون توفير احتياجات طلابهم بما يستطيعون، بل وينفق بعض العاملين من أموالهم الخاصة أحيانًا.
لكن الاجتهاد الفردي لا يمكن أن يكون بديلًا عن النظام المالي والإداري للدولة.
المواطن ليس خزينة بديلة
المواطن المصري يتحمل بالفعل أعباء اقتصادية كبيرة، ولا يجوز أن يصبح مطلوبًا منه في كل مناسبة أن يسد العجز في مؤسسة حكومية من جيبه.
وليست المشكلة في أن يساهم مواطن قادر في عمل خيري أو في تطوير مدرسة أو مستشفى؛ فهذا عمل محمود ومطلوب عندما يكون اختياريًا وشفافًا.
أما أن يصبح الاعتماد على جيوب المواطنين حلًا دائمًا لتمويل احتياجات أساسية لمؤسسات حكومية، فهنا يجب أن نتوقف ونسأل:
هل نحن أمام مشاركة مجتمعية حقيقية، أم أمام نقل غير معلن لجزء من مسؤولية الدولة إلى المواطن؟
نريد أرقامًا لا شعارات
المطلوب ليس مهاجمة وزارة أو مسؤول، وإنما فتح ملف الإنفاق الحكومي وكفاءة توزيع الموارد.
فكل جنيه من المال العام هو في الأصل مال المواطن، ومن حقه أن يعرف أين يذهب.
نريد أن ننتقل من لغة الأرقام الضخمة والتصريحات الإعلامية إلى لغة الأرقام التفصيلية القابلة للمراجعة:
كم دخل؟ كم أُنفق؟ أين أُنفق؟ وما النتيجة التي تحققت؟
فإذا كانت هناك مليارات مخصصة لقطاع معين، فيجب أن يلمس المواطن أثرها في الخدمة التي يحصل عليها، وأن يشعر العامل داخل المؤسسة الحكومية بأن لديه الإمكانات التي تمكنه من أداء عمله، وألا يظل مدير المدرسة أو المستشفى أو الوحدة الحكومية مضطرًا إلى البحث عن متبرع لإصلاح ما هو من صميم مسؤولية المؤسسة.
وأخيرًا. .
لسنا ضد الدولة، ولسنا ضد الإنفاق العام، ولسنا ضد المشاركة المجتمعية.
نحن ضد أن تصبح التبرعات والمساهمات الشخصية حلًا دائمًا لمشكلات يفترض أن تعالجها الموازنة العامة.
ونحن مع أن تكون هناك موازنات عادلة، وشفافية حقيقية، ورقابة فعالة، ومحاسبة واضحة، وأن يصل المال المخصص للخدمة إلى مكان الخدمة.
فإذا كانت خزائن الدولة تنفق مليارات، فمن حق المواطن أن يسأل
لماذا لا تصل هذه المليارات إلى المدرسة والمستشفى والمصلحة الحكومية بالصورة التي يشعر بها المواطن في حياته اليومية؟
إن إصلاح منظومة الإنفاق العام لا يبدأ بزيادة الأرقام فقط، وإنما يبدأ بـ معرفة أين يذهب كل جنيه، ومن المسؤول عنه، وما الذي تحقق به.
نريد أن يرى المواطن أثر هذه الموازنات في مدرسة أفضل، ومستشفى أفضل، وخدمة حكومية أفضل، وكرامة محفوظة للمواطن دون أن يضطر إلى دفع ثمن الخدمة مرتين؛ مرة في الضرائب والرسوم، ومرة أخرى من جيبه الخاص.

