

في عام 2000 م. صدَرَ فيلم دراما أمريكي اسمه “cast away – كاست أواي” بطولة الممثل توم هانكس.
أفضل ما شدني لهذا الفيلم أنه اعتمد على أداء الممثل ولم يحتوي على أي موسيقى في الخلفية.
هذا الفيلم يحكي عن شخصٍ سقطت طائرته في حادثة، وانعزل على جزيرة نائية، حتى ضاقت به السبل، وتقطعت به الأسباب.
أصبح سَعيٍه بلا جدوى، وهدفه بلا قيمة، وسَيْرٍه بلا دليل، و دَربه بلا غاية، وحياته بلا معنى، ومع ذلك قاوم وحارب ليظل حياً، متشبثاً بالأمل.
ظلّت عزيمته فولاذيه آملاً أن يعانق حبيبته عند الرجوع، وينهل من حبها، ويستدفئ بحضنها، فجعل من بقايا الرماد أمل، وأزاح عنه الضعف والهمل، ووضع نصب عينيه مستقبله المشرق فارتوى به وتشبّع، ولم تخر عزيمته ولم يتجزّع.
تمسّكَ بالأمل والأمل فراشة تُحلّق في فضاء الأحلام، ودافعٌ لنا للأمام، وشمسٍ مشرقة تضج بالحياة وتبعث الدفء في النفوس، وتعطينا روحًا إضافية ودفعات معنوية.
اعتمد التائه في جزيرته على شيئين إثنين.
الأول: صورة زوجته التي أحبها فكان يسامرها يومياً في عزلته، ويحكي لها معاناته وآلامه ويبث لها شوقه واشتياقه.
الثاني: وجد كرةً من الجلد فرسم عليها وجهاً واتخذه صديقاً وأسَمّاه (ويلسون-Willson) فكان رفيقه في دربه ومعاناته.
ركب الصعاب، أكل أوراق الشجر والأعشاب، أشعل النيران بدون ثقاب، تعرّى من الثياب، نام تحت الأمطار و السحاب، عاش بدون أصحاب، وكانت عودته لأهله يملؤها الشك والارتياب.
لكنه خطط ونفّذ وصنع قارباً بمجموعةٍ من الأفكار، وسار في المحيط في رحلة حفتها الأخطار، وكاد أن يصل للاحتضار، ليجد نفسه في قارب يقلّه إلى وطنه ويعود لزوجته وأهله وحياته ولسان حاله يقول
أين العصافيرُ تُنشدُ عِشـقي
تبوحُ بشوقي لعطرٍ تنهّـــــدْ
فخُذني إليكَ يا نبع فيضـــي
ودعني بنوركَ أحيا وأسعـدْ
لكنه حينما عاد وجد أصدقاءه اعتقدوا أنه مات، و زوجته تزوجت غيره وأنجبت، وهو الذي استمد قوته من حبه لها وصورتها المتواجدة معه في عزلته، والتي كان يسامرها يومياً و يحارب لأجلها حتى عاد من الموت.
خلاصة القول :
ليس كل ما تحبه وتشتاق إليه وتبحث عنه بالضرورة يحبك ويبحث عنك، وما أصعب أن تشعر بحبٍ كبير في صدرك، ولهفة تجاه شخص ولا تجد مقابل له.
حرفياً (أحياناً مش كل حاجة وحشاك ينفع تروحلها؛ في حاجات معينة ممكن تفضل وحشاك من بعيد، لأن الحنين أحياناً بيكون مؤذي لصاحبه ووقتها العشم بيخليك تحاول تقرب وتسأل فبتتفاجئ برد فعل يوجعك ويكسرك).
ما أجمل أن تبحث في حنايا روحك عمن يقاسمك الحب والود، من يسكب ندى حبه على قلبك قبل مسامعك، ويضعك على عرش فؤاده
فالحب حاء وباء، منبعه الوفاء، ودستوره الإخاء، وأساسه النقاء، وشعاره الصفاء، وعدوه الجفاء، وضده الشقاء.
والأوفياء كالنور الذي يُضيء الحياة للنّاس، ويملأ القلب شوقٌ واحساس.
الوفاء هو شخصان غزلا خيوط ذهب علاقاتهما فوق شواطئ بحار الصدق.
إنَّ الوفاءَ على الكريمِ فريضةٌ * واللؤمُ مقرون بذي الإخلافِ
وترى الكريم لمن يعاشرُ منصفًا * وترى اللئيمَ مجانبَ الإنصافِ
تقول أُمنا عائشة بنت الصديق رضي الله عنهما:
جاءت عجوز إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو عندي، فقال لها: من أنتِ؟
فقالت:
أنا جثَّامة المزنيَّة.
فقال لها:
بل أنتِ حسَّانة المزنيّة
كيف أنتم؟ وكيف حالكم؟ وكيف كنتم بعدنا؟
فقالت:
نحن بخير، بأبي أنتَ وأمي يا رسول الله
فلما خرجتْ من عنده قلتُ: يا رسول الله تُقبلُ على هذه العجوز هذا الإقبال؟
فقال (صلى الله عليه وسلم):
إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإنّ حسن العهد من الإيمان.
وفي إحدى البرامج سأل المذيع ضيفته في البرنامج ( هل تعلمين من استدعاكِ إلى هنا)
قالت : لا أدري من؟
قال: أنظري
فلما رأته قالت: إنه حبيبي وزوجي ونور عيني و شمعة حياتي.
قال المذيع: جاء ليكرمك لأنكِ لم تتركيه و تعبتِ من أجله بعد مرضه و عجزه عن المشي
قالت :
دللني و أحسن معاملتي قبل مرضه كيف لي أن أتركه (أنا عكازه إلي يمشي بيه) تاج رأسي أحمله بأسناني.
والحقيقة أنّ ﻫُﻨﺎﻙ أشخاص هم مسند ظهورنا، وأدويةً خَواطرنا، وأغصان ثمارنا، ومنبع حناننا، إن رأينا ما يسرّنا كان أول من تأتي صورته في أذهاننا لنزف له البشارات، إن واجهنا ما يحزننا تمنينا أن نرتمي في حضنه لنناقش معه حل الأزمات.
يجيد فهمنا دون الحاجة إلى الكثير من الشرح، لا يذكرنا بسوءٍ أمام أحدٍ أبداً، ولا يتجرأ أحدهم على الحديث عنا بسوء أمامه أبدا.
في العلن يدافع عنا، وفي السر يعاتبنا، يخاطب أرواحنا قبل عقولنا، يخاف على حزننا، ويعمل بِنصيحتنا ويخوض معنا كل المجالات.
في وجودنا معه نشعر بالأمن والأمان والسكينة والاطمئنان فكل أمانيه اسعادنا ومساعدتنا في تحقيق أحلامنا، يتكدر عيشه لمجرد حزننا، وتنطفئ روحه عند غيابنا.
على استعدادٍ تام بالتضحية من أجلنا، والتنازل عن كل ما سوانا، يحفظ سرّنا، ويصون ودّنا، تجده لينًا حتى في خصامه.
لا ينكر خيرًا، ولا ينس معروفاً، إن ضاقت الدنيا في عينيك، وجدت في عينيه متسعاً لكل ضيق.
قد تبعده المسافات أو تفرقه البلدان، لكن يظل هو الأقرب والأسمى والأنسب، لأن القرب الحقيقي بالشعور و ليس بالمكان، فهناك قلوبًا تشعر بك حتي من تغير حُروفك، من تنهيدتك، من نبرة صوتك
كقول القائل :
إنّي لَأنظر في الوجودِ بأَسرهِ
لَأرى الوجوهَ، فلَا أرى إلاّك.
قالوا :و يخلقُ أربعينَ مُشابها
من أربعينك لَا أريدُ سِـــواك
اللهم لا تحرمنا سعادة السعداء، والراحة بعد عناء، وذكر الذاكرين، ووفاء المحبين.
تفاعل مع المقال
رأيك ومشاركتك يصنعان فرقًا.
مقالات ذات صلة

🌹 أحـداثٌ تدور وأيّامٌ تعلِّم 🌹
✍ بقلم: د. عبدالرحمن محمد موسى — رئيس مجلس الإدارة
ما نمر به ونعيشه في كثيرٍ من المواقف يجعلنا نغير المواقع بحسب المواقف ونبدل الأدوار بحسب الأحوال، فهناك مواقف أعيتنا وآلمتنا، وبعضها أيقظتنا وصنعتنا،…
2026-09-27 · 2 دقائق قراءة
أبناؤنا مرآتنا
✍ بقلم: أ. شادية رشدي — مستشارة الشؤون الأسرية والمجتمعية
قد يظن بعض الآباء أن التربية تبدأ عندما يتعلم الطفل الكلام، أو عندما يدخل المدرسة، لكن الحقيقة التي يؤكدها الدين وعلم النفس والتجارب التربوية…
2026-09-21 · 3 دقائق قراءةمقالات ذات صلة
مداخلات وتعليقات الزوار
يتضمن القسم مداخلات جاهزة للنقاش بأسماء افتراضية وتعليقات الزوار.
في مقال «🌺 (الوفاء شيمة الأحبّاء) 🌺»، ما الفكرة التي لفتت انتباهك، وما رأيك فيها؟
شاركنا رأيك أو سؤالًا تحب أن يجيب عنه الكاتب.
في مقال «🌺 (الوفاء شيمة الأحبّاء) 🌺»، ما الفكرة التي لفتت انتباهك، وما رأيك فيها؟
لفتت انتباهي عبارة «والحقيقة أنّ ﻫُﻨﺎﻙ أشخاص هم مسند ظهورنا، وأدويةً خَواطرنا، وأغصان ثمارنا، ومنبع حناننا، إن رأينا ما يسرّنا كان…». كيف يمكن فهمها في سياق المقال؟
أتمنى توضيح المقصود بقول الكاتب «يجيد فهمنا دون الحاجة إلى الكثير من الشرح، لا يذكرنا بسوءٍ أمام أحدٍ أبداً، ولا يتجرأ أحدهم على…» بمثال بسيط.
عبارة «في العلن يدافع عنا، وفي السر يعاتبنا، يخاطب أرواحنا قبل عقولنا، يخاف على حزننا، ويعمل بِنصيحتنا ويخوض معنا…» تستحق التوقف عندها، خاصة عند قراءة ما قبلها وما بعدها.
هل يمكن التوسع في شرح «في وجودنا معه نشعر بالأمن والأمان والسكينة والاطمئنان فكل أمانيه اسعادنا ومساعدتنا في تحقيق أحلامنا، يتكدر عيشه لمجرد…»؟ قد يساعد ذلك على فهم الفكرة بصورة أدق.
بخصوص «على استعدادٍ تام بالتضحية من أجلنا، والتنازل عن كل ما سوانا، يحفظ سرّنا، ويصون ودّنا، تجده لينًا حتى…»، شنو الجانب اللي يحتاج توضيح أكثر؟
أرى أن مناقشة «لا ينكر خيرًا، ولا ينس معروفاً، إن ضاقت الدنيا في عينيك، وجدت في عينيه متسعاً لكل ضيق» تحتاج إلى النظر في السياق قبل إصدار حكم عام.
لفتني الكلام عن «قد تبعده المسافات أو تفرقه البلدان، لكن يظل هو الأقرب والأسمى والأنسب، لأن القرب الحقيقي بالشعور و ليس…». إيه المقصود بالنقطة دي بالتحديد؟
ربما نختلف في تفسير «إنّي لَأنظر في الوجودِ بأَسرهِ»، ويسعدني سماع قراءة أخرى لها.
شو العلاقة بين «لَأرى الوجوهَ، فلَا أرى إلاّك» والفكرة الرئيسية بالمقال؟
من المفيد أن نميز بين ما تقوله عبارة «قالوا :و يخلقُ أربعينَ مُشابها» وما قد نفهمه منها.
عندي سؤال حول «من أربعينك لَا أريدُ سِـــواك»: هل يقصد الكاتب معنى محددًا أم معنى أوسع؟
أود سماع توضيح الكاتب لعبارة «اللهم لا تحرمنا سعادة السعداء، والراحة بعد عناء، وذكر الذاكرين، ووفاء المحبين»؛ فقد تحتمل أكثر من قراءة.
يسعدنا سماع آرائكم وأسئلتكم حول المقال. قد يرد مساعد الأكاديمية آليًا باقتباسات من المقال مرتبطة بكلمات تعليقك.





تعليق واحد على ”🌺 (الوفاء شيمة الأحبّاء) 🌺“
في مقال «🌺 (الوفاء شيمة الأحبّاء) 🌺»، ما الفكرة التي لفتت انتباهك، وما رأيك فيها؟