اليقين والرغبة في السيطرة على المستقبل


كم من إنسانٍ أفسد عليه الخوفُ من الغد جمالَ يومه، واستنزف القلقُ طاقته قبل أن تبدأ معركته، وعاش في صراعٍ مع احتمالات لم تقع، وأحداثٍ لم تأتِ، ومستقبلٍ يريد أن يضمن تفاصيله قبل أن يخطو نحوه!
لقد أصبح الخوف من المستقبل والرغبة في السيطرة على تفاصيله من أكثر ما يستنزف الإنسان في زماننا؛ لا سيما الشباب الذين يقفون على أعتاب الحياة، يحملون أحلامًا مشروعة، لكنهم يخشون ألّا يبلغوها؛ فيقلق أحدهم من ألّا يجد العمل المناسب، أو شريك الحياة الذي يتمناه، أو الرزق الذي يكفيه، حتى يتحول التفكير في المستقبل من دافعٍ للسعي إلى عبءٍ يثقل الروح، وربما يقود إلى الإحباط والتردد والجمود.
والمشكلة ليست في أن نخطط للمستقبل أو نسعى إلى حياة أفضل، وإنما في أن نطلب ضماناتٍ لا يملكها بشر، ونريد أن نعرف نهاية الطريق قبل أن نخطو أولى خطواته.
فكيف نتحرر من هذا الخوف؟
أولًا: اليقين بالله أساس الطمأنينة
إن البداية تكون من اليقين بالله، ثم اليقين بالله، ثم اليقين بالله؛ أن نؤمن بأن للحياة ربًّا يدبر أمرها بحكمة، وأن أقدارنا لا تخرج عن علمه وتقديره، وأن ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، وما أصابنا لم يكن ليخطئنا، كما علّمنا النبي ﷺ.
قال الله تعالى:
﴿وَفِي السَّّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: 22].
وقال سبحانه:
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: 6].
إن استقرار هذه المعاني في القلب لا يعني أن الطريق سيكون خاليًا من الصعوبات، أو أن كل ما نتمناه سيحدث بالصورة التي نريدها، وإنما يعني ألّا نسمح للمجهول أن يسلبنا طمأنينة الحاضر، وألّا نجعل خوفنا مما قد نفقده يحرمنا متعة السعي إلى ما نرجوه.
ثانيًا: التوكل على الله لا يعني ترك السعي
لكن، هل يعني اليقين أن نتواكل وننتظر أن تأتي الأرزاق والأمنيات دون سعي؟
كلا، فذلك ليس من التوكل، وإنما من العجز الذي لا يقرّه الإسلام.
قال رسول الله ﷺ:
«احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز» رواه مسلم.
فاليقين لا يعطل السعي، بل يمنحه معناه، والتوكل لا يلغي التخطيط، بل يحرر الإنسان من عبادة النتائج.
نحن مأمورون بالأخذ بالأسباب، وبذل الجهد، وتطوير قدراتنا، ثم تفويض ما لا نملكه إلى الله.
قال تعالى:
﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ [النجم: 39].
وهنا تتضح المعادلة التي تستقيم بها الحياة:
اسعَ كأن جهدك مسؤوليتك، وتوكّل كأن النتائج ليست ملكك، وارضَ بالله ربًّا حين تأتي الأقدار على غير ما أردت.
فلا تجعل تأخر الوظيفة حكمًا على قيمتك، ولا تجعل تعثر علاقة نهايةً لحياتك، ولا تجعل ضيق الرزق دليلًا على انغلاق أبواب المستقبل.
فقد تتغير الطرق، وتتبدل الأولويات، وتأتي الفرص من حيث لا نتوقع؛ وليس المطلوب أن نعرف كل ما سيحدث، وإنما أن نكون مستعدين للتعامل مع ما يحدث.
ثالثًا: كيف تصنع مستقبلًا أفضل دون أن تفقد سلامك النفسي؟
1. طوّر ذاتك من الداخل
فكّر بوعي، وتعلّم كيف تدير مشاعرك، وافهم نقاط قوتك وضعفك، ولا تجعل الخوف هو الذي يتخذ قراراتك نيابة عنك.
2. استثمر في مهاراتك ومعارفك
طوّر مهاراتك ومعارفك باستمرار، واجعل نفسك قادرًا على مواكبة تغيرات الحياة ومتطلباتها.
فالعالم يتغير، والفرص تتبدل، ومن يستثمر في علمه وقدراته يزيد استعداده لاقتناص الفرص ومواجهة التحديات وإثبات ذاته.
3. حدّد هدفك وابدأ بما تملك
ضع هدفًا واضحًا نصب عينيك، واسْعَ إليه بخطوات ثابتة، مستعينًا بعلمك وإيمانك وثقتك بالله، ومدرّبًا مهاراتك بما يخدم هدفك ويختصر طريقك إليه.
ولا تنتظر أن تصبح مستعدًا بصورة كاملة؛ ابدأ بما تملك، وتعلّم في أثناء الطريق، وصحّح مسارك كلما احتجت إلى ذلك.
4. اجعل الرضا رفيق سعيك
اجعل الرضا رفيق سعيك، لا بديلًا عنه.
ارضَ بما لا تملك تغييره، واعمل على تغيير ما تستطيع، ولا تقارن بدايتك بنهايات الآخرين؛ فلكل إنسان رحلته وظروفه وتوقيته.
واجعل غايتك أن تكون اليوم أكثر وعيًا من الأمس، وأكثر مهارةً وقوةً من ذي قبل، وأن يكون غدك امتدادًا لنموك، لا ساحةً لمحاكمة نفسك على ما لم يتحقق بعد.
رابعًا: الطموح والرضا طريقان متكاملان
إن الرضا لا يعني أن نتوقف عن الطموح، كما أن الطموح لا يعني أن نظل ساخطين على حاضرنا.
نستطيع أن نطمح إلى الأفضل ونشكر الله على الموجود، وأن نحزن عند التعثر دون أن نستسلم، وأن نخطط بعناية دون أن نتوهم امتلاك الغيب.
وأخيرًا.. لا تجعل الخوف من الغد يسرق منك اليوم
تذكّر أن المستقبل ليس صفحةً تستطيع قراءة كل ما فيها، ولا بابًا تستطيع إجبار الأقدار على فتحه؛ لكنه مساحةٌ تسعى فيها، وتتعلّم، وتنمو، وتستعين بالله.
فلا تُهدر عمرك في محاولة السيطرة على الغد، بينما تملك اليوم لتبني فيه ما تستطيع من أسباب الغد.
اسعَ بقلبٍ مطمئن، وعقلٍ متبصّر، وإرادةٍ لا تستسلم؛ فإذا جاء ما تمنيت فاحمد الله، وإذا جاء على غير ما أردت فاستعن بالله وراجع سعيك، ثم امضِ دون أن تفقد ثقتك برحمته.
فليس اليقين أن تعرف كيف سيكون المستقبل، بل أن تسير نحوه وأنت تعلم أن عليك السعي، وأن النتائج بيد الله، وأن قيمتك لا تختصرها وظيفة لم تحصل عليها، أو علاقة لم تكتمل، أو أمنية تأخرت.
اعمل لما ترجوه، واستعن بمن بيده الأمر كله، ودع قلبك يستريح من محاولة امتلاك ما لم يُخلق الإنسان ليمتلكه: الغيب.
تفاعل مع المقال
رأيك ومشاركتك يصنعان فرقًا.
مقالات الكاتب
مقالات أخرى بقلم أ. شادية رشدي

قبل أن يولدوا
✍ بقلم: أ. شادية رشدي — مستشارة الشؤون الأسرية والمجتمعية
حق الأبناء يبدأ قبل أن تكون لهم أسماء، وقبل أن ترى أعينهم نور الدنيا، بل يبدأ يوم يفكر الرجل فيمن ستكون أمًّا لأبنائه، وتفكر…
2026-10-05 · 3 دقائق قراءة
التربية فن بناء الإنسان
✍ بقلم: أ. شادية رشدي — مستشارة الشؤون الأسرية والمجتمعية
التربية ليست أن نملأ عقل الطفل بالمعلومات، ولا أن نطارده بالأوامر والنواهي، ولا أن نجعله نسخة مما نريد. إنها أعمق من ذلك؛ إنها فن…
2026-10-03 · 4 دقائق قراءةمقالات ذات صلة

حياتي مع أخي
✍ بقلم: د. عبدالرحمن محمد موسى — رئيس مجلس الإدارة
على الآباء أن يزرعوا مفاهيم الحب والعطاء، والصراحة والاحترام بين الأشقاء، وأن يبنوا العلاقات الأخوية لتظل صافيةً نقيّة، ويعتنوا بها كما نعتني بالنبتة الصغيرة؛…
2026-10-20 · 6 دقائق قراءة
أبناؤنا في زمن السوشيال ميديا.. كيف نبني الوعي ونحفظ القيم؟
✍ بقلم: أكاديمية ارتقاء للتنمية البشرية — فريق التحرير
يمكن النظر إلى وسائل التواصل بوصفها ساحة تشارك في تشكيل الذوق العام: ما الذي يستحق الاهتمام؟ ومن الذي يستحق التقدير؟ وهل نقيس قيمة الفكرة…
2026-10-06 · 4 دقائق قراءة
قبل أن يولدوا
✍ بقلم: أ. شادية رشدي — مستشارة الشؤون الأسرية والمجتمعية
حق الأبناء يبدأ قبل أن تكون لهم أسماء، وقبل أن ترى أعينهم نور الدنيا، بل يبدأ يوم يفكر الرجل فيمن ستكون أمًّا لأبنائه، وتفكر…
2026-10-05 · 3 دقائق قراءة
التربية فن بناء الإنسان
✍ بقلم: أ. شادية رشدي — مستشارة الشؤون الأسرية والمجتمعية
التربية ليست أن نملأ عقل الطفل بالمعلومات، ولا أن نطارده بالأوامر والنواهي، ولا أن نجعله نسخة مما نريد. إنها أعمق من ذلك؛ إنها فن…
2026-10-03 · 4 دقائق قراءةمقالات ذات صلة
مداخلات وتعليقات الزوار
يتضمن القسم مداخلات جاهزة للنقاش بأسماء افتراضية وتعليقات الزوار.
في مقال «اليقين والرغبة في السيطرة على المستقبل»، ما الفكرة التي لفتت انتباهك، وما رأيك فيها؟
شاركنا رأيك أو سؤالًا تحب أن يجيب عنه الكاتب.
✦ مساعد الأكاديمية — رد آلي
رد على آمنة: «اللهم ارزقنا اليقين والرضا والسعي إلى ما تحب وترضى»
شكرًا لمشاركتك. أقرب ما ورد في المقال إلى موضوع تعليقك: «لكن، هل يعني اليقين أن نتواكل وننتظر أن تأتي الأرزاق والأمنيات دون سعي» و«فليس اليقين أن تعرف كيف سيكون المستقبل، بل أن تسير نحوه وأنت تعلم أن عليك السعي، وأن النتائج بيد الله، وأن قيمتك لا تختصرها وظيفة لم تحصل عليها، أو علاقة لم تكتمل، أو أمنية تأخرت». هذه مقتطفات مرتبطة بكلمات تعليقك، وقد لا تجيب عن سؤالك كاملًا؛ للتوضيح يمكنك تحديد النقطة التي تريد مناقشتها.
لفتت انتباهي عبارة «إن استقرار هذه المعاني في القلب لا يعني أن الطريق سيكون خاليًا من الصعوبات، أو أن كل ما…». كيف يمكن فهمها في سياق المقال؟
اللهم ارزقنا اليقين والرضا والسعي إلى ما تحب وترضى
أتمنى توضيح المقصود بقول الكاتب «ثانيًا: التوكل على الله لا يعني ترك السعي» بمثال بسيط.
في مقال «اليقين والرغبة في السيطرة على المستقبل»، ما الفكرة التي لفتت انتباهك، وما رأيك فيها؟
عبارة «لكن، هل يعني اليقين أن نتواكل وننتظر أن تأتي الأرزاق والأمنيات دون سعي» تستحق التوقف عندها، خاصة عند قراءة ما قبلها وما بعدها.
هل يمكن التوسع في شرح «كلا، فذلك ليس من التوكل، وإنما من العجز الذي لا يقرّه الإسلام»؟ قد يساعد ذلك على فهم الفكرة بصورة أدق.
بخصوص «قال رسول الله ﷺ:»، شنو الجانب اللي يحتاج توضيح أكثر؟
أرى أن مناقشة ««احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز» رواه مسلم» تحتاج إلى النظر في السياق قبل إصدار حكم عام.
لفتني الكلام عن «فاليقين لا يعطل السعي، بل يمنحه معناه، والتوكل لا يلغي التخطيط، بل يحرر الإنسان من عبادة النتائج». إيه المقصود بالنقطة دي بالتحديد؟
ربما نختلف في تفسير «نحن مأمورون بالأخذ بالأسباب، وبذل الجهد، وتطوير قدراتنا، ثم تفويض ما لا نملكه إلى الله»، ويسعدني سماع قراءة أخرى لها.
شو العلاقة بين «﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ [النجم: 39]» والفكرة الرئيسية بالمقال؟
من المفيد أن نميز بين ما تقوله عبارة «وهنا تتضح المعادلة التي تستقيم بها الحياة:» وما قد نفهمه منها.
عندي سؤال حول «اسعَ كأن جهدك مسؤوليتك، وتوكّل كأن النتائج ليست ملكك، وارضَ بالله ربًّا حين تأتي الأقدار على غير ما…»: هل يقصد الكاتب معنى محددًا أم معنى أوسع؟
أود سماع توضيح الكاتب لعبارة «فلا تجعل تأخر الوظيفة حكمًا على قيمتك، ولا تجعل تعثر علاقة نهايةً لحياتك، ولا تجعل ضيق الرزق دليلًا…»؛ فقد تحتمل أكثر من قراءة.
يسعدنا سماع آرائكم وأسئلتكم حول المقال. قد يرد مساعد الأكاديمية آليًا باقتباسات من المقال مرتبطة بكلمات تعليقك.





3 تعليقات على ”اليقين والرغبة في السيطرة على المستقبل“
في مقال «اليقين والرغبة في السيطرة على المستقبل»، ما الفكرة التي لفتت انتباهك، وما رأيك فيها؟
اللهم ارزقنا اليقين والرضا والسعي إلى ما تحب وترضى
شكرًا لمشاركتك. أقرب ما ورد في المقال إلى موضوع تعليقك: «لكن، هل يعني اليقين أن نتواكل وننتظر أن تأتي الأرزاق والأمنيات دون سعي» و«فليس اليقين أن تعرف كيف سيكون المستقبل، بل أن تسير نحوه وأنت تعلم أن عليك السعي، وأن النتائج بيد الله، وأن قيمتك لا تختصرها وظيفة لم تحصل عليها، أو علاقة لم تكتمل، أو أمنية تأخرت». هذه مقتطفات مرتبطة بكلمات تعليقك، وقد لا تجيب عن سؤالك كاملًا؛ للتوضيح يمكنك تحديد النقطة التي تريد مناقشتها.